القرطبي
108
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
خفض بمعنى وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبأن الله ربي وربكم ، وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى ، والامر أن الله ربي وربكم . وفيها قول خامس : حكى أبو عبيد أن أبا عمرو بن العلاء قاله ، وهو أن يكون المعنى : وقضى أن الله ربي وربكم ، فهي معطوفة على قوله : " أمرا " من قوله : " إذا قضى أمرا " والمعنى إذا قضى أمرا وقضى أن الله . ولا يبتدأ ب " - أن " على هذا التقدير ، ولا على التقدير الثالث . ويجوز الابتداء بها على الأوجه الباقية . ( فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) أي دين قويم لا اعوجاج فيه . قوله تعالى : ( فاختلف الأحزاب من بينهم ) " من " زائدة أي اختلف الأحزاب بينهم . وقال قتادة : أي ما بينهم فاختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى عليه السلام . فاليهود بالقدح والسحر . والنصارى قالت النسطورية منهم : هو ابن الله . والملكانية ثالث ثلاثة . وقالت اليعقوبية : هو الله ، فأفرطت النصارى وغلت ، وفرطت اليهود وقصرت . وقد تقدم هذا في " النساء " ( 1 ) . وقال ابن عباس : المراد من بالأحزاب الذين تحزبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوه من المشركين . ( فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ) أي من شهود يوم القيامة ، والمشهد بمعنى المصدر ، والشهود الحضور . ويجوز أن يكون الحضور لهم ، ويضاف إلى الظرف لوقوعه فيه ، كما يقال : ويل لفلان من قتال يوم كذا ، أي من حضوره ذلك اليوم . وقيل : المشهد بمعنى الموضع الذي يشهده الخلائق ، كالمحشر للموضع الذي يحشر إليه الخلق . وقيل : فويل للذين كفروا من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور ، فأجمعوا على الكفر بالله ، وقولهم : إن الله ثالث ثلاثة . قوله تعالى : ( أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ) قال أبو العباس : العرب تقول هذا في موضع التعجب ، فتقول : أسمع بزيد وأبصر بزيد أي ما أسمعه وأبصره . قال : فمعناه أنه عجب نبيه منهم . قال الكلبي : لا أحد أسمع يوم القيامة ولا أبصر ، حين يقول الله تبارك وتعالى لعيسى : ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) [ المائدة : 116 ] ( 1 ) . وقيل : " أسمع "
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 21 فما بعد وص 374 فما بعد .